الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
229
نفحات الولاية
الثالثة : التلون المستمر وركوب الموجة والتخبط والانسلاخ من فئة والالتحاق بأخرى وعدم امتلاك الهدف المعين في الحياة . الرابعة : الانحراف عن مسار الحق والسير على سبيل غير الهدى . وممّا لا شك فيه - وكما سنتعرض إلى ذلك بالتفصيل لاحقا - أنّ السياسة الخارجية في عصر الخليفة الثاني والفتوحات الإسلامية والامتداد خارج الحجاز قد خلقت ذهنية للناس بشأن شكل الحكومة في أنّها موفقة على جميع الأصعدة فيقل اهتمامهم بالمشاكل الداخلية التي يعاني منها المجتمع الإسلامي ، والحال كما أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارات أنّ طائفة من المسلمين قد شهدت حالة من التخبط على مستوى العقائد والعمل والقضايا الأخلاقية والابتعاد تدريجياً عن الإسلام الأصيل بفعل الأخطاء والاجتهادات في مقابل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ؛ الأمر الذي أدى في خاتمة المطاف إلى تلك الثورة العارمة على الخليفة الثالث وبما مهد السبيل أمام ظهور الحكومة الاستبدادية في العصر الأُموي والعباسي التي تفتقر لأدنى شبه بالحكومة الإسلامية على عهد النبي صلى الله عليه وآله . والمفروغ منه أنّ هذه الحالة العشوائية لم تكن وليدة ساعتها ، بل ظهرت إثر تصاعد حدة الأخطاء المتواصلة طيلة عصر الخلافة . ثم قال الإمام عليه السلام : « فصبرت على طول المدة ، وشدة المحنة » . فقد عانى عليه السلام من ذات الظروف والتحمل التي كانت أبان عهد الخليفة الأول ، غير أنّ المحنة التي عاناها الإمام عليه السلام كانت أشد وأعظم بفعل تلك الظروف الاقهر والمدة الأطول . قال بعض شرّاح نهج البلاغة إنّ الإمام عليه السلام أشار إلى قضيتين كان لهما الأثر البالغ في إستياء الإمام عليه السلام : الأولى ازدياد مدّة الابتعاد عن محور الخلافة ، والثانية الاستياء والتذمر الذي أفرزته ظاهرة انشقاق الخلافة عن مسارها الأصلي في عدم سيادة النظم الصحيحة بالنسبة لشؤون الناس الدينية . لكن على كل حال فقد كانت هناك المصالح المهمّة التي تتطلب سكوت الإمام عليه السلام والتضحية بالأمور الثانوية من أجل الأهداف الأسمى . فقد استمر هذا الوضع حتى إنتهى عصر الخليفة الثاني .